جلال الدين السيوطي
545
الإتقان في علوم القرآن
عاداً أو على تقدير : ( وأهلك ثمودا ) . وقول بعضهم في : لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [ هود : 43 ] ، لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ [ يوسف : 92 ] : إنّ الظرف متعلّق باسم ( لا ) وهو باطل ؛ لأنّ اسم ( لا ) حينئذ مطوّل ، فيجب نصبه وتنوينه ، وإنما هو متعلّق بمحذوف . وقول الحوفي : إنّ الباء من قوله : فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [ النمل : 35 ] متعلّقة ب ( ناظرة ) ، وهو باطل ؛ لأنّ الاستفهام له الصّدر ، بل هو متعلّق بما بعده . وكذا قول غيره في : مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا [ الأحزاب : 61 ] : إنه حال من معمول ثُقِفُوا أو أُخِذُوا باطل ؛ لأنّ الشرط له الصّدر ، بل هو منصوب على الذّم . الثالث : أن يكون ملمّا بالعربيّة ، لئلا يخرّج على ما لم يثبت ، كقول أبي عبيدة « 1 » في كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ [ الأنفال : 5 ] : إنّ الكاف قسم ، حكاه مكّي وسكت عليه ، فشنّع ابن الشجري عليه في سكوته . ويبطله : أنّ الكاف لم تجيء بمعنى واو القسم ، وإطلاق ( ما ) الموصولة على اللّه وربط الموصول بالظاهر . وهو فاعل أَخْرَجَكَ . وباب ذلك الشعر . وأقرب ما قيل في الآية : إنها مع مجرورها خبر محذوف ، أي : هذه الحال من تنفيلك الغزاة . على ما رأيت في كراهتهم لها . كحال إخراجك للحرب في كراهيتهم لها . وكقول ابن مهران في قراءة : ( إنّ البقر تّشابهت ) بتشديد التاء « 2 » : إنه من زيادة التاء في أول الماضي ، ولا حقيقة لهذه القاعدة ، وإنما أصل القراءة ( إن البقرة تشابهت ) بتاء الوحدة ، ثم أدغمت في تاء ( تشابهت ) فهو إدغام من كلمتين . الرابع : أن يتجنب الأمور البعيدة ، والأوجه الضعيفة ، واللغات الشاذّة . ويخرج على القريب والقويّ والفصيح ؛ فإن لم يظهر فيه إلّا الوجه البعيد فله عذر ، وإن ذكر الجميع لقصد الإغراب والتكثير فصعب شديد ، أو لبيان المحتمل وتدريب الطالب فحسن في غير ألفاظ القرآن ، أمّا التنزيل : فلا يجوز أن يخرّج إلّا على ما يغلب على الظّن إرادته ، فإن لم يغلب شيء فليذكر الأوجه المحتملة من غير تعسّف . ومن ثمّ خطّأ من قال في وَقِيلِهِ [ الزخرف : 88 ] بالجرّ أو النصب « 3 » : إنه عطف على لفظ السَّاعَةِ أو محلّها ، لما بينهما من التباعد ، والصواب : أنه قسم ، أو مصدر ( قال ) مقدّرا .
--> ( 1 ) انظر مجاز القرآن 1 / 240 . ( 2 ) انظر الرياحين ص 37 . ( 3 ) انظر الكشف عن وجوه القراءات 2 / 262 - 263 .